الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

108

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

بالبحث والكشف عن معناه الذاتي ومدى العلاقة والتداخل بينه وبين مصطلح الشريعة ، نود أن نجيب عن سؤال مهم جداً وهو : هل يمكن للمسلم أن يكتفي بأحد العلمين من دون الآخر ، فيقلد عالماً في أحكام الفقه الإسلامي من غير أن يتبع عارفاً ليأخذ منه علم التصوف أو العكس بأن يتبع عارف من غير أن يقلد عالماً ؟ والجواب : إن علم الفقه وعلم التصوف هما كفتي ميزان الشريعة الإسلامية ، وترجيح إحدى الكفتين على الأخرى يميل بميزان الشريعة عند المسلم ، وقد أمر الحق تعالى بالقسط في الميزان فقال سبحانه : أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ « 1 » ، وقال : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ « 2 » ، فالتمسك بإحدى الكفتين أو العلمين من دون الآخر هو مخالفة صريحة لجميع النصوص القرآنية والنبوية المطهرة الدالة على ضرورة الأخذ بكل أحكام الشريعة بلا فرق ولا فصل ، وقد تبين أن نصف الأحكام الشرعية متعلق بظاهر الإنسان ، ونصفها الآخر متعلق بباطنه ، وعن وجوب الآخذ بالعلمين معاً دونما فصل يقول الإمام مالك رضي الله عنه : « من تفقه ولم يتصوف تفسق ، ومن تصوف ولم يتفقه تزندق ، ومن تفقه وتصوف تحقق » . وهذا الأمر مما أجمع عليه علماء الأمة العاملين ومشايخها الكاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة . فأي عالم في أي مذهب إسلامي يقول إن طهارة القلب من الوساوس في الصلاة مثلًا - وهو من أحكام التصوف - ليس ضرورياً لصحة الصلاة وهو يقرأ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ليس لأبن آدم من صلاته إلا ما عقل منها « 3 » . وأي شيخ في أي طريقة صوفية يقول إن طهارة الأعضاء الخارجة في الصلاة وهو

--> ( 1 ) - الرحمن : 8 - 9 . ( 2 ) - الحديد : 25 . ( 3 ) - ورد بصيغة أخرى في فيض القدير ج : 3 ص : 88 ، انظر فهرس الأحاديث .